الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
323
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
إن الظلام بذاته مخيف مثير للأوهام والتخيلات ، فهجوم الكثير من الحيوانات الخطرة وسطوة اللصوص والمجرمين يقع تحت جنح الظلام ، أن لكل امرئ ذكرياته عن هذه الحالات ، فعند هبوط الظلام تنشط الأوهام وتخرج منها الأشباح المرعبة ، فيستولي الخوف والهلع على العامة من الناس . الظلام من العدم ، والإنسان يهرب بطبيعته من العدم ويخافه ، ولهذا نراه يخاف الظلام . وإذا حدثت في هذا الظلام حوادث واقعية مرعبة ، كأن يكون الإنسان مسافرا في البحر ، وتحاصره في ليلة ظلماء الأمواج الهائلة والدوامات المائية ، فإن خوفه من ذلك يكون أضعاف ما لو حدث ذلك بالنهار ، لأن الإنسان في مثل هذه الظروف يجد أبواب النجاة مسدودة في وجهه ، وهكذا لو كان في ليلة حالكة الظلام يسير في الصحراء فيضل الطريق ويسمع زمجرة الوحوش المفترسة من هنا وهناك وهي تبحث عن فريسة ، في مثل هذه اللحظات ينسى الإنسان كل شئ ولا يعود يتذكر شيئا سوى نفسه ، والنور الذي يسطع في أعماقه ويجذبه نحو المبدأ قادر على إزالة ما يعتوره من بلاء وضيق ، هذه الحالات تفتح نوافذ على عالم التوحيد ومعرفة الله ، لذلك يقول في أمثال هذه الحالات : تدعونه تضرعا وخفية . وتعقدون - وأنتم في تلك الحالة - عهدا وميثاقا على أنفسكم ، وتقولون : لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين . ثم تأمر الآية النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يخبرهم أن الله سوف ينجيهم من هذه ومن غيرها من الأخطار ، وقد فعل ذلك من قبل مرارا ، ولكنهم بعد زوال الخطر عنهم يعودون إلى طريق الشرك والكفر : قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون .